مقابلة حصرية للمجلة الطبية العربية مع د.قيس أصفري المشارك في أول عملية زراعة رأس بشري في العالم

عبير ديبة
يترقب العالم شهر ديسمبر المقبل موجهاً أنظاره نحو الحدث الطبي الأغرب في تاريخ الإنسان، فاليوم يعتزم الجراح الإيطالي سيرجو كانافيرو وفريقه الطبي الضخم إجراء أول عملية زراعة رأس بشري.

ومنذ أن تم الإعلان عنها مؤخراً في الإعلام تركت العملية أمام العالم تساؤلات لا تنتهي والكثير الكثير من علامات الاستفهام، ولإلقاء الضوء أكثر على تفاصيلها الدقيقة والتحضيرات لها بكل مراحلها فقد التقت المجلة الطبية العربية الدكتور قيس نزار أصفري عالم البيولوجيا العصبية والمحاضر والباحث في جامعة كامبيردج المشارك في العملية، والذي يشرح عنها أكثر: "يمكننا تبسيط مفهوم العملية بأنها عملية زراعة أعضاء كاملة لإنسان فقد كل شيء وتبقى رأسه، قد يقول الناس أننا سنشهد شخص ثالث، ولكن في الطب هوية الإنسان التي تضم وعيه وقراراته وطباعه ونمط تفكيره تكمن في دماغه وبالتالي الشخص الثالث هو صاحب الرأس وهو المتطوع الشاب الروسي فاليري سبيريدونوف (30 عاماً) ".
وعن مكان إجراء العملية يضيف د.أصفري: "إلى الآن الدعم الأكبر الذي حصلنا عليه من الهيئات والأطباء في بريطانيا، ونحن نرغب أن تقام في المملكة المتحدة لكن في حال تغير شيء فالصين قد فتحت الباب ووافقت من قبل".

إنه جنون العلم!
تتفاوت الآراء بشدة حول هذا العمل الجراحي المنتظر والبعض يشكك بها من الناحية الأخلاقية كونها قد تشجع خيار ’القتل الرحيم‘ من جهة أو أنها تعطي أملاً مبالغاً فيه للمريض، وحول ذلك يرى د. أصفري أنه من الطبيعي أن تتعرض العملية لانتقادات كثيرة، مضيفاً: "هناك أكثر من تسع قضايا مرفوعة على الجراح الإيطالي، كما قلت العملية ليست سهلة نحن نتحدث عن أغرب حدث طبي في تاريخ الإنسان.. نعم ربما هو الجنون، لكن العلم مليء بالمجانين والحالمين وكل ما نعيشه اليوم هو نتاج أفكار وأحلام الماضي وها نحن نعيشه كواقع، النجاحات التي حققها العلم لم تأتي إلا من أخطائه الدائمة، وهذا هو رأس مال العلم إنه يخطئ ويصحح أخطائه باستمرار، ليس علينا أن نفكّر بقرار القتل الرحيم لأن العملية لن تحدث كل يوم، علينا أن نفكر بقيمة التجربة فهي ستنجح حتى حال فشلها لأنها ستفتح أبواب واسعة في آليات توصيل الحبل الشوكي والتفكير بحالات متلازمة المنحبس Locked-in syndrome والمنومين بالغيبوبة منذ سنين ومن يعاني من السرطان والملايين من الذين ينظرون للموت كزائر يومي، علينا البحث عن حلول دائماً وتجربتها وتقييمها".

المتطوع هو الشاب الروسي فاليري سبيريدونوف ويبلغ من العمر 30 عاماً، وهو يعاني طوال حياته من مرض الهزال العضلي الجيني ’فيردنغ هوفمان‘، وبحسب التشخيص الطبي فإن فرصته بالحياة كانت شبه معدومة بعد عامه العشرين، ولحسن الحظ أن الحياة ابتسمت له عشر سنوات ولكن حالته الصحية في تدهور مستمر.

يضيف د.أصفري الذي التقى سبيريدونوف مؤخراً: "الشاب لن يتراجع عن قراره كما قال لي وهو يعرف تماماً كل ما هو مقدم عليه وموافق عليه وذويه أيضاً ويخضع حالياً للعلاج والتهيئة النفسية حتى يتقبل الجسد الجديد، دونوف لا يطمح إلا بالرغبة في حياة أكثر.. ولا يوجد أمامه أي خيار آخر كل ما في الأمر أنه يبحث عن فرصة أخيرة للبقاء".

التحديات والخطة الجراحية
تواجه العملية عدة تحديات إحداها قانونية من ناحية أن الكثير من الدول تمنع نقل الأعضاء التناسلية – وهو جزء من العملية – وهنا من المنتظر أن توافق المملكة المتحدة على إقامة العملية في أرضها، أما من الناحية الجراحية فالخطة – حسب د.أصفري مدروسة بشكل كامل وما يتم العمل عليه هو الاستعداد الكامل لتفادي أي خطأ اثناء التطبيق، مؤكداً: "نعمل على زيادة معدل الأمان والسلامة قدر المستطاع، ويحظى قطع النخاع على اهتمام أول لدى الجراحين ويعملون على عامل السرعة، أما عصبياً فنحن نقوم بوضع كل الاحتمالات للمعالجة الكيميائية وذلك لمنع حدوث أي تفاقمات للدماغ مع وظائف الجسد الجديد، والعمل أكثر على الجهاز المناعي، وكذلك التهيئة النفسية للمريض".

هناك مجموعتان للعملية مجموعة الجراحين والممرضين، ومجموعة من علماء الطب والبيولوجيا العصبية، وستكون مشاركة د. أصفري ضمن الفريق ما بعد العملية الجراحية حيث سيشرف على الدماغ وسلوك الخلايا العصبية بعد الجراحة وتفاعل الجسد مع الأقطاب الكهربية الموصلة، وهناك من سيشرف على المحاليل المستعملة أثناء الجراحة، حيث يملك فريق البيولوجيا العصبية خبرة كافية من خلال تجاربهم على الحيوانات.

ويوضح د.أصفري للمجلة الطبية العربية: "علينا أن نكون حاضرين لتدارك أي ردة فعل مفاجئة من قبل الدماغ تجاه الجسم الجديد، شخصياً أنا أعمل منذ سنوات على تفكيك سلوك وظواهر الدماغ وهذه العملية ستحقق لنا إجابات كثيرة لأبحاثنا في المستقبل ".

تثير العملية عشرات الأسئلة حول ماهيتها وأهدافها والنتيجة المنتظرة منها وحالة الشاب سبيريدونوف بعد انتهائها، وهنا يؤكد د.أصفري للمجلة أن الهدف هو الحصول على جسد كامل بوظائفه وأعضائه، مضيفاً: "على الطب ألا يتوقف متفرجاً، لدينا أمراض لا حلول لها، ويجب على الطب أن يأخذ مساحته والبحث والتجربة المستمرة لإيجاد حلول حتى ولو كانت تجارب مجنونة كما يراها البعض، المغامرة لا تعرف حدود بالنهاية".

كيف ستتم العملية؟
جراحياً سيتم توصيل الرأس بالجسد الجديد في وقت لن يتجاوز الساعة حيث سيتم تبريد رأس المستلم والجسد المانح لدرجة 15 درجة مئوية حتى يستطيع الدماغ العيش بدون أوكسجين ودون أن تموت الخلايا، بعد ذلك سيتم تشريح الأنسجة حول الرقبة ثم ربط الأوعية الدموية الرئيسية باستخدام أنابيب صغيرة ورفيعة، وذلك قبل أن يتم قطع النخاع الشوكي من كل شخص.

يشرح د.أصفري أكثر: "سيقوم بعض الجراحين بقص رقبة الشاب فاليري عند الفقرة الرقبية الخامسة بينما جراحين آخرين سينزعون الرأس عن الجسد المانح وهو ميت دماغياً، ستبدأ هنا عمليات مفاغرة الشرايين والأوردة وخياطة العضلات وتثبيت العظام ووصل الأوتار، بينما يكون السائل الملحي المبرد قد دخل شريان دماغ الشاب فاليري حتى يصل إلى درجة عشر درجات وأخيراً وبسرعة، سيتم قطع النخاع بنصل حاد جداً ودقيق بدون أي رض، وهنا ستكون أصعب وأدق مرحلة، فالنخاع هنا لا يتكوم على بعضه بسرعة، بعد ذلك سيتم صهر طرفي الحبل الشوكي بواسطة المادة الكيميائية - البولي ايثيلين جلايكول - وبعد ساعات مع الحقن و المتابعة ستحفّز الدهون على الالتصاق في أغشية الخلايا، وسيتم بعدها خياطة العضلات ثم تنتهي العملية الجراحية هنا بعد عمل يوم ونصف".

تقنياً الغرفة التي سيجرى عليها العملية مجهزة بأحدث وأدق الأجهزة بالإضافة لأجهزة تخطيط المخ الحديثة وأجهزة تبريد الرأس المتميزة بنظام مراقبة عالي، والتحدي سيكون بقطع الحبل الشوكي الذي لطالما شكل عقبة ولذلك كان اختراع المشرط الذي يحمل ميكانيكية رائعة في عمله، ويشرح د.أصفري أكثر: "يتضمن المشرط المستخدم نظام القطع مجموعة ناصل متحرك بشفرة قاطعة من الألماس، وحامل النصل قابل للانزلاق داخل وخارج الرأس الدوّار له، ويوجد فيه حامل عصب قابل للسحب وقابل للتعديل مع فتحة تركيب لتجنب تقدم الشفرة خارج قطر العصب، كما يحتوي على مجموعة عاكسة من الأضواء لتوفير ضوء إضافي والكشف عن سطح العصب، وتبلغ تكلفته ما يقارب 200 ألف دولار".

ماذا بعد ديسمبر 2017 ؟
وعن المخاطر المرتبطة بهذا العمل الجراحي، سواء من الناحية المناعية أو من حيث نجاح الوظائف الفيزيولوجية، يقول د.أصفري: "في حال نجحت العملية لن نخشى مشاكل فيزيولوجية فلدى فاليري سنة كاملة من العلاج الطبيعي المستمر لتعلّم المشي، من الناحية المناعية نعم هناك تخوفات في البداية على الأقل خلال الشهر الأول لكن كما قلت لطالما نجحت العملية ومضى الوقت فالحلول المناعية موجودة، وهذه واحدة من التي نضع لها كل الاحتمالات ومحاولات لتداركها".

ويضيف: "سندخل فاليري غيبوبة عمداً لمدة شهر لترك الدماغ التعاطي والتعرف على الجسد الجديد، سيكون موصل بالأقطاب الكهربية لتحفيز الحبل الشوكي من التواصل مع كل الأعضاء، المراقبة ستكون عالية جداً من قبل العلماء والأطباء العصبيين لمراقبة الدماغ وسلوكه كما قلت لقد وضعنا كل الاحتمالات السيئة لحدوث تجاوز أو كما أسميه أحياناً عملية ’استفراغ كيمياء الدماغ‘ وقد اقترحت ثلاثة حلول سيتم العمل على اثنين منهم في حال حدث تفاغر لكيمياء الدماغ مع الجسم ويكمن الحل باختصار بمخادعة الدماغ وتثبيطه في حال النشاط او تنشيطه حال التثبيط عبر الأقطاب الكهربية، بعدها تبدأ المعالجة الطبيعية والنفسية للمريض".

يختتم د.أصفري حديثه للمجلة الطبية العربية: "اليوم وصلنا إلى محاولات ناجحة على الحيوانات وكل ما سيتم استعماله على الإنسان قد تمت تجربته ونجح على الحيوان، كما قلت العملية ناجحة حتى بفشلها لأنها تقدم كبير ومغامرة جريئة حتماً ستفيد الجميع، كلنا أمل أن تنجح على الإنسان ويخلد اسم هذا الشاب في تاريخ الطب".

هي المرة الأولى إذاً التي تجري فيها زراعة رأس إنسان فلا تجارب حصلت بعيداً عن عيون الإعلام، والتجارب السابقة كانت على الحيوانات فقط ومنذ زمن طويل حيث استمر الأطباء في التعلّم من أخطائهم، ليضعوا العالم أخيراً أمام موعد مع ’عملية الكون‘ كما يسميها د.أصفري.

 

عن المجلة الطبية العربية

المجلة الطبية العربية هي ملحق طبي تخصصي يصدر عن مجلة الأعمال العربية. تعمل المجلة على تعزيز عالم النشر التخصصي العربي والمتوى الرقمي العربي. ترحب المجلة الطبية العربية مساهمات مؤسسات العلاقات العامة. لإرسال مساهماتكم يرجى الاتصال بنا.